Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

Classic Header

{fbt_classic_header}

Popular Posts

آخر المواضيع

latest

زينب وأبو العاص –رضي الله عنهما- نموذجا في الحب

  زينب وأبو العاص –رضي الله عنهما- نموذجا في الحب زينب بنت محمد ﷺ وأولى بناته، بنت خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها وشبهها الأول. ولدت في شب...

 

زينب وأبو العاص –رضي الله عنهما- نموذجا في الحب


زينب بنت محمد ﷺ وأولى بناته، بنت خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها وشبهها الأول.

ولدت في شباب الرسول قبل البعثة بعشر سنين، وكبرت في بيت كملت فيه الفضائل والطهر والشمائل. قد قدمت لنا واحدة من أطهر نماذج الإخلاص لله تعالى ومثالا عليّا في الوفاء والحب للزوجية.

ومضات من حياتها رضي الله عنها

 كانت أخت خديجة هالة بنت خويلد كثيرة التردد على بيت خديجة متعلقة بأختها مغدقة محبة وفيرة لابنتها زينب التي لم ترغب غير أبي العاص ابنها زوجا لها، وهو أبو العاص بن الربيع ابن عبد العزى، من فتيان قريش الأشراف، نبيلا ذو خصال كريمة، اشتغل بالمال والتجارة، وكان معروفا بالأمانة يدعى بالأمين كصهره صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله: كان أبو العاص أخا لرسول الله ﷺ مصافيا له. يلتقي نسبه مع سيد ولد آدم ﷺ في الجد الثالث عبد مناف بن قصي.

وطلب أبو العاص زينب من أبيها ﷺ فرحب بذلك وطلب إمهاله حتى يسألها ولم يقرر مكانها. ووافقت زينب وأقيم الزفاف.. وتوالت الأيام ومرت فهذا أبو العاص يعمل في التجارة وكثيرا ما كان يسافر إلى أطراف الجزيرة وإلى الشام فكانت زينب تقيم عند خالتها وأم زوجها هالة بنت خويلد تترددان على السيدة خديجة من حين إلى حين، وتوّج هذا الزواج السعيد بولدين: أمامة وعلي...

ولم يغير من ذلك غير نزول الوحي على المصطفى ﷺ وتكلفيه بتبليغ رسالة الإسلام، وكان البيت المحمدي السبّاق للتصديق وآمنت خديجة وبناتها الأربع من فورهن بأبيهن الصادق الأمين ولم يكن أبو العاص بمكة حينذاك..

أخطرت زينب زوجها عند وصوله بالطارئ الجديد متوقعة انشراح زوجها ذو الرأي والحكمة والأخلاق نحو الإسلام لكنه لم يفعل. غير أنه كف يده ولسانه عن الرسول وأصحابه ولم يُذكر له موقف مسيء أبدا ولم يتحامل على الإسلام أو يعيب على زينب إسلامها بل شغلته تجارته عن ما كان لقريش من عداوة ضارية تجاه الدين الوليد وظل على حبه الكبير لها على اختلاف دينهما وآية التفريق بين الزوجين المسلم والكافر لم تكُ نازلة بعد.

ومن جملة مكائد الكفار الفجرة في إيذاء الرسول ﷺ وثنيه عن الدعوة استهدافهم لبناته الطاهرات ورغبتهم في إشغاله بهن على زعمهم السّافه، فطلّق عتبة رقية وعتيبه أم كلثوم بأمر من أبيهما أبو لهب. ووفد سادة مكة إلى أبي العاص يراودونه تطليق زينب رضي الله عنها وتزويجه بمن أراد من نسوة مكة فأبى لحبه الشديد لها وإجلاله لأبيها ﷺ وذكر في تاريخ الطبري أنه قال: لا ها الله إذا، لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش. 

ثم كان ما كان من وقائع أليمة حزينة. فها هي قريش تغلو في أذية المؤمنين وتضرب حصارا على بني هاشم ومن والاهم من المسلمين، وفُجعت مكة بأسرها لموت السيدة خديجة، وأذُن للمسلمين بالهجرة وتتابعت الأفواج قاصدة يثرب، وهاجر الأب صلى الله عليه وسلم ولم يبقى من آل النبي في مكة غير زينب؛ فأم كلثوم وفاطمة صحِبهما مبعوث من الرسول إلى المدينة، أما رقية فكانت ملازمة لزوجها ذي النورين -رضي الله عنهما- مهاجرَين بين مكة والحبشة إلى أن استقرا في يثرب.

وتواترت الأحداث إلى أن وقعت وقعة بدرٍ الكبرى..

كان أبو العاص في جيش المشركين وقعة بدر وزينب بمكة صابرة محتسبة، لك أن تتخيل أيها القارئ حالها حينذاك فزوجها الأثير خرج لحرب  أبيها الحبيب الأعظم ﷺ. ونصر الله يومها القلة المؤمنة وتوالت الأخبار على مكة: غُلبت قريش وقتل معظم سادتها يومذاك وكان أول من حمل أخبار ذلك كما ورد عن ابن اسحاق، بدر الحيسُمان بن عبد الله الخزاعي فقالوا ما ورائك؟ قال: قُتل عتبة، وشيبة، وأبو جهل، وأمية، وزمعة بن الأسود، ونُبيه، ومنبّه، وأبو البختري بن هشام وأخذ يعدّد صناديد مكة حتى ظن جلوس الحجر أنه مجنون فقال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر: والله إن يعقل هذا فسلوه عني. فقالوا: ما فعل صفوان؟ قال: ها هو ذاك جالسا، قد والله رأيت أباه وأخاه قد قتلا.. وفرحت زينب لنصر أبيها فرحة ما فتئت تليها حيرة فقد ظنت أن أبا العاص قد قُتل ولم يتبدد ذلك إلا ببشرى من عمتها عاتكة بنت عبد المطلب التي حملت إليها أخبار أسره.

أوصى الرسول بالأسرى خيرا وأقبلت قريش تُرسل من يفديهم وما كان من زينب غير فداء زوجها وأرسلت مع أخيه عمرو ابن الربيع صرّة من المال معها أعز ما تملك! قلادة أمها خديجة الأثيرة كانت قد أعطتها إياها عند زواجها، فلما رآها الرسول عرفها ورقّ لها وقال كما روت لنا عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-: إِنْ رَأَيتُم أَن تُطلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وتَردُّوا عَلَيهَا الذِي لَهَا؟ قالوا: نَعَم. وأطلقوه، فأخذ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم – عهدا أن يخلي سبيل زينب - وكانت من المستضعفين من النساء- واستكتمه النبي - صلى الله عليه وسلم– ذلك، ووعد أبو العاص ووفى رغم صعوبة الطلب وعدم هوان فراق زوجه الحبيب عنه، وفي ذلك قال المسور بن مخرمة: أثنى النبي ﷺ على أبي العاص في مصاهرته خيرا وقال: حدثني فصدقني، ووعدني، فوفى لي.

أمر أبو العاص فور وصوله زينبَ بالتجهز للرحيل إلى يثرب وخرج بها حموها كنانة بن الربيع نهارا يتبعهم فريق من المشركين، فأدركها هبار بن الأسود وأخذ يطعن بعيرها بالرمح حتى سقطت ميتة على صخور الصحراء وأسقطت زينب –رضي الله عنها- ما في بطنها وفقدت دماء كثيرة وأرجعت إلى مكة وبقيت عند هند بنت عتبة وفي عمل الملاحقين الشائن أنشدت هند:

أفي السّلم أعيارا جفاء وغلظة

وفي الحرب أشباه النّساء العوارك

والعوارك هن الحوائض.

عن عائشة، زوج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -.... فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لزيد بن حارثة: "ألا تنطلق تجيئني بزينب؟" قال: بلى يا رسول الله، قال: "فخذ خاتمي" فأعطاه إياه، فانطلق زيد وبرك بعيره، فلم يزل يتلطف، حتى لقي راعيا، فقال: لمن ترعى؟ فقال: لأبي العاص، قال: فلمن هذه الأغنام؟ قال : لزينب بنت محمد، فسار معه شيئا، ثم قال له: هل لك أن أعطيك شيئا تعطيه إياها، ولا تذكره لأحد؟ قال: نعم، فأعطاه الخاتم، فانطلق الراعي، فأدخل غنمه، وأعطاها الخاتم، فعرفته، فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل، قالت: فأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا. قال: فسكتت حتى إذا كان الليل، خرجت إليه فلما جاءته، قال لها: اركبي بين يدي على بعيره. قالت: لا، ولكن اركب أنت بين يدي، فركب وركبت وراءه حتى أتت، فكان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: "هي أفضل بناتي أصيبت في".

وصلت زينب المدينة وبقيت تحت كنف أبيها ﷺ ورعايته وبقي أبو العاص بمكة ممارسا للتجارة، وأخلص الاثنان لبعضهما فلم يتزوجا رغم البعد واشتداد الوجد وتتال السنين وبقيا وفيين لبعضهما، ومن شعر أبي العاص ما يدل على ذلك حين قال:

ذكرت زينب لما ورّكت أرما

فقلت سقيا لشخص يسكن الحرما

بنت الأمين جزاها الله صالحة

وكل بعل سيثني بالذي علما

 حتى فتح الله على أبي العاص بالإسلام بعد مرور ست سنين على فراق زينب وبدأت قصة ذلك قبل الفتح برجوع أبي العاص من الشام قاصدا مكة، فتتلقى قافلته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم يرأسها زيد بن حارثة –رضي الله عنه- وهو الصحابي الذي أجلى زينب من مكة. أصاب زيد ومن معه القافلة بمن فيها إلا أبا العاص فقد فرّ ولم يتمكنوا منه.

أقبل أبو العاص ليلا إلى المدينة قاصدا زينب طالبا الحماية فحمته وسألها أن تطلب من أبيها ردّ ماله إليه. قال ابن إسحاق: ...فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح فكبر وكبر الناس معه، صرخت زينب من صف النساء: أيها الناس، إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع .قال: فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم، قال: أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل على ابنته، فقال: أي بنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له .

وبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى السرية الذين أصابوا ماله، فقال: إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوه، فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فيء الله، فأنتم أحق به. قالوا: بل نرده. فردوه كله بقليله وكثيره.

أنعم الله على أبي العاص بالإيمان وشاء قدره أن يلين قلبه للإسلام ويستشعر حلاوته بعد هذه الحادثة وها هي كتب السيرة تذكر انطلاقه إلى مكة ليبرئ ذمته من أموال أهلها. وقال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم عندي شيء؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام عنده إلا خوف أن تظنوا أني إنما أردت أكل أموالكم.

ثم قدم إلى الرسول ﷺ مشهرا إسلامه واستبشر به الحبيب والمسلمون وردّ عليه زينب زوجه، فكما فرّق بينهما الإسلام ها هو يجمعهما–رضي الله عنهما- بعد فراق ست سنين وكم كانت زينب مسرورة بالوافد الجديد ولملمة شمل عائلتها الذي كان متفرقا.. كان الفارق بين إسلامه وإسلامها أكثر من ثماني عشرة سنة..

 

لازم أبو العاص رضي الله عنه الرسول ﷺ وهنئ بجوار زوجه سنة وبعض السنة ورغم سعادتها الدفاقة الظاهرة إلا أن هوان وضعف جسدها لم يكن خفيّا عليه، يتجرع مرارة معانتها المتعاظمة ويتقاسم معها آلام مرضها الذي لازمها صراعه منذ ترويعها يوم هجرتها، ولا زالت منذ ذاك بالضعف والألم والهوان إلى أن شاء القدير أن تفارق الحياة وتوارى الثرى في إزار الحبيب المصطفى ﷺ مطلع السنة الثامنة للهجرة. وكم كان فراقها قاسيا على أبي العاص فهي المؤنسة الغالية والرفيقة الوفية والحبيبة المخلصة، تركت في قلبه ودنياه فراغا موحشا كبيرا وحزنا عظيما، وشبها بها طفلة صغيرة: هي أمامة ابنتهما. عاش مستأنسا بها أربعا بعدها..

إن من سيرة زينب وزجها –رضي الله عنهما- لمثال طهرٌ رفيع في الإخلاص لله والحب في الله، تغنينا عن  المواعظ والخطب، وتستحق منا وقفات صادقة وتأملات جادة مسترسلة فمن لنا أفضل من آل البيت قدوة ونموذجا

ليست هناك تعليقات